
لم تكن الحدود في فضاء الساحل يومًا مجرد خطوط جامدة تُرسم على الخرائط، بل هي فضاءات نابضة بالحياة، تتقاطع فيها مسارات الرعاة مع طرق التجارة، وتتجاوب فيها القرى عبر امتداد الرمال والمسالك. في هذه المناطق الهشة، قد يتحول أدنى احتكاك، إن أُسيء تدبيره، إلى صدعٍ دائم. وفي هذا الحيز الدقيق اختارت موريتانيا، خلال الأشهر الأخيرة، مسارًا صعبًا: احتواء دون خضوع، وتهدئة دون استسلام، وثبات دون استفزاز. ليس ذلك تراجعًا، بل هو تعبير عن رؤية استراتيجية واعية.
فالتوترات مع مالي لم تكن عابرة في دلالاتها، بل حملت في طياتها إمكانات الانزلاق نحو تصعيد أوسع. في بيئة إقليمية مشبعة بانعدام الثقة وتعدد السرديات، يكتسب كل حادث حجمًا يتجاوز طبيعته الأصلية. حادث محلي قد يتحول إلى رمز، وإشاعة إلى دعوة للمواجهة، والخطأ إلى ذريعة للتصعيد. وفي مثل هذه السياقات، تنجرف الدول أحيانًا وراء موجة الانفعال الجماعي، فتضحي بالتبصر لصالح ردود فعل آنية.
غير أن موريتانيا آثرت مسارًا مختلفًا. لم يكن امتناعها عن الرد بدافع الضعف، بل نتيجة تقدير محسوب. ولم يكن تجاهلًا، بل وعيًا عميقًا بعواقب الانزلاق. فرفض الانجرار إلى الاستفزاز هو، في جوهره، رفض للدخول في لعبة يحدد إيقاعها الآخرون. وهو أيضًا استعادة لعنصر الزمن بوصفه أداة استراتيجية حاسمة. ففي البيئات المضطربة، من يحسن إدارة الزمن يملك زمام المبادرة.
وفي هذا السياق، برزت توعية السكان في المناطق الحدودية كأحد أعمدة هذه المقاربة. فالرعاة والتجار وسكان القرى ليسوا مجرد متلقين للأحداث، بل هم صانعوها في كثير من الأحيان. إنهم الذين يحولون الحدود السياسية إلى واقع يومي حي. ومن خلال إشراكهم، وتوعيتهم، ودعوتهم إلى التحلي بالحذر، تعمل الدولة على تحصين المجال من الداخل. فكلمة غير محسوبة، أو تصرف متسرع، قد يشعلان فتيل أزمة، بينما يسهم الوعي الجماعي في احتوائها.
هذا الجهد الهادئ يقف على النقيض من الضجيج الذي تصنعه وسائل التواصل الاجتماعي. فالحروب الحديثة لا تبدأ دائمًا في الميدان، بل كثيرًا ما تنشأ في العقول واللغة والرموز. هذه المنصات تضخم الانفعالات وتختزل الوقائع وتدفع نحو الاستقطاب. دعاة التصعيد اليوم لا يحملون السلاح بالضرورة، بل يلوحون بالكلمات والصور. ومع ذلك، فإن تأثيرهم قد يكون عميقًا.
في مثل هذا المناخ، يصبح الخضوع للضغط الإعلامي تخليًا عن القرار لصالح قوى غير منضبطة. وقد اختارت موريتانيا أن تحافظ على توازنها رغم الضجيج. وهذا يتطلب شجاعة سياسية من نوع خاص، لأن التريث نادرًا ما يكون خيارًا شعبيًا في لحظته. كثيرًا ما يُساء فهمه بوصفه ترددًا أو ضعفًا. غير أن تحمّل هذا الالتباس هو في ذاته تعبير عن قوة داخلية تدرك أن تجنب الكارثة أهم من كسب لحظة تأييد عابرة.
وتجد هذه المقاربة صداها في فكر Sun Tzu الذي رأى أن قمة الإتقان تكمن في تفادي القتال لا في خوضه. وفي سياق الساحل، لا تبدو هذه الفكرة نظرية، بل واقعية تمامًا. فالانتصار دون قتال يعني الحفاظ على الاستقرار دون الدخول في حرب لا يخرج منها أحد رابحًا.
وتجارب المنطقة تقدم شواهد واضحة على ذلك. فالتوترات بين مالي وبوركينا فاسو، التي وُصفت أحيانًا بـ«حرب الفقراء»، تكشف عن مأزق الصراعات بين دول محدودة الموارد. في مثل هذه الحروب، لا تكون الخسائر عسكرية فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد والنسيج الاجتماعي وثقة المواطنين.
إن الانخراط في هذا المسار يعني استنزافًا تدريجيًا للإمكانات، وتحويل الموارد من التنمية إلى الصراع، وتعميق هشاشة البيئات المحلية. ومن خلال تجنب هذا المنزلق، تؤكد موريتانيا أن أولويتها هي صون مقومات الاستقرار.
وهذه الرؤية تعكس فهمًا متجددًا لمفهوم الأمن. فلم يعد الأمن يُختزل في القوة العسكرية وحدها، بل أصبح مرتبطًا بالتنمية والحكم الرشيد والثقة بين الدولة والمجتمع. فالحرب، حتى وإن حققت مكاسب ميدانية، قد تقوض هذه الأسس.
ويبدو أن الاستراتيجية الموريتانية تستوعب هذا التعقيد. فهي لا تلغي دور القوة، لكنها تضعها في موقعها الصحيح: أداة احتياط، لا خيارًا أوليًا. هذا التدرج في استخدام أدوات القوة يعكس نضجًا في التفكير الاستراتيجي.
وفي صميم هذه المقاربة يبرز دور الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي يجمع بين خلفية عسكرية وفهم عميق لكلفة الحرب. هذا التلاقي بين الخبرة والانضباط يفسر ميله إلى تجنب المواجهة المباشرة. فالإدراك الحقيقي للحرب غالبًا ما يقود إلى السعي لتفاديها.
وتتجلى هذه الرؤية في إدارة متزنة للأزمات: قنوات الحوار مفتوحة، والحوادث تُعالج بهدوء، والخطاب الرسمي يتجنب التصعيد. فالكلمات في مثل هذه الظروف قد تكون بوزن الأفعال، بل قد تسبقها في التأثير.
ومع ذلك، لا ينبغي تفسير هذا النهج على أنه غياب للحزم. فموريتانيا تحتفظ بحقها في الدفاع عن مصالحها، وتحدد خطوطًا لا يمكن تجاوزها، حتى وإن لم تُعلن دائمًا. إنها تمارس ضبط النفس، لكنها لا تتخلى عن القدرة على الرد. وهذا التوازن بين الصبر والاستعداد هو جوهر استراتيجيتها.
وتبرز هنا فكرة «le seuil critique » بوصفها معيارًا ناظمًا للسلوك. ما دامت هذه العتبة لم تُبلغ، فإن الأولوية تبقى لاحتواء التوتر. غير أن وجودها يعني أن الصبر ليس بلا حدود، وأن ضبط النفس ليس استسلامًا، بل خيارًا مشروطًا. وهذا ما يمنح الموقف مصداقيته.
وعلى المدى الأبعد، تتيح هذه السياسة لموريتانيا الحفاظ على أحد أهم مكاسبها: الاستقرار. ففي بيئة إقليمية مضطربة، يصبح الاستقرار عنصر جذب للاستثمار، ومصدر ثقة للشركاء، وأساسًا للتنمية.
لكن الأثر لا يقتصر على ذلك. فهذه المقاربة تسهم في إعادة تعريف القوة ذاتها. القوة هنا لا تُقاس بحدة المواجهة، بل بقدرة الدولة على التحكم في مسار الأحداث دون اللجوء إلى العنف. إنها قوة قائمة على الانضباط والرؤية والقدرة على التقدير.
وهذا يتطلب ثقة بالنفس وبالمؤسسات، وإيمانًا بالمسار طويل الأمد. إنه رهان على الصمود الداخلي، وعلى قدرة المجتمع على التماسك، وعلى نجاعة الدولة في إدارة الأزمات.
وفي سياق الساحل، تبدو هذه الرسالة ذات أهمية خاصة. فالمنطقة بحاجة إلى نماذج تُظهر أن إدارة الأزمات لا تقتضي بالضرورة الانزلاق إلى المواجهة. وموريتانيا تقدم مثالًا على ذلك، دون ادعاء الكمال أو تقديم وصفة جاهزة.
ومع ذلك، فإن هذا الخيار ليس خاليًا من التحديات. فهو يتطلب يقظة دائمة، وقدرة على التكيف، وثباتًا في الرؤية. إذ قد تُختبر هذه السياسة تحت ضغط الأحداث، وقد تُساء قراءتها، وقد تواجه محاولات لاختبار حدودها.
غير أن قيمتها تكمن تحديدًا في صعوبتها. ففي عالم تميل فيه الدول إلى الحلول السريعة، يمثل اختيار مسار أكثر تعقيدًا نوعًا من الشجاعة الاستراتيجية.
إن «الانتصار دون قتال» ليس شعارًا بل ممارسة دقيقة، تقوم على ضبط النفس وتغليب العقل واستشراف المستقبل. ومن خلال هذا النهج، لا تدير موريتانيا أزمة عابرة فحسب، بل تعبر عن تصور متكامل للسياسة.
تصور يرى أن السيادة لا تُختزل في الرد، بل في التحكم؛ وأن القوة لا تُقاس بوقع الصدمة، بل بقدرة الدولة على تجنبها؛ وأن السلام ليس حالة سكون، بل ثمرة جهد مستمر.
وفي خضم اضطرابات الساحل، قد تبدو هذه المقاربة هادئة، لكنها تحمل في طياتها أثرًا عميقًا. لأن الامتناع عن الحرب، حين تكون ممكنة، هو في حد ذاته فعل قوة.
اصنيب محمد







.jpg)
(3)(1).jpg)
.png)
.png)
.png)
.png)
.png)