فرنسا – موريتانيا: صداقة بنّاءة

أربعاء, 15/04/2026 - 23:54

هذا الأسبوع، أعادت زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني إلى فرنسا، والتي تخللها عشاء رسمي في قصر الإليزيه يوم 15 أبريل، التذكير بالمكانة الخاصة التي تحتلها العلاقات الفرنسية-الموريتانية.

ويستحق الطابع الاستثنائي لهذه الزيارة أن يُبرز، إذ إنها أول زيارة دولة لرئيس موريتاني إلى فرنسا منذ عام 1993، وهو أعلى مستوى بروتوكولي مخصص لرؤساء الدول.

وبعيدًا عن مظاهر التكريم التي حظي بها الرئيس الغزواني — من مراسم في الإنفاليد، واستقبال من رئيسة الجمعية الوطنية، وعشاء رسمي — فإن ما يتم الاحتفاء به في الواقع هو علاقة قديمة، متينة وبنّاءة.

بالنسبة للموريتانيين، لا تقتصر هذه المكانة على البعد الرمزي فقط، بل تُكرّس علاقة ثنائية تقوم منذ سنوات على معطى بسيط: نجحت فرنسا وموريتانيا في بناء علاقة ثقة قائمة على الاحترام المتبادل، والإصغاء، والمصالح المشتركة المفهومة جيدًا.

وفي سياق دولي يتسم بالأزمات، وصراعات النفوذ، وتراجع الأطر متعددة الأطراف، تضفي هذه العلاقة القائمة على القيم بُعدًا خاصًا.

يتقاسم البلدان أولًا رؤية مشتركة لعدد من القضايا الدولية الكبرى. فكلاهما يدافع عن الحل السلمي للنزاعات، ودور الدبلوماسية، وفكرة حوكمة عالمية أكثر عدلًا تأخذ في الاعتبار صوت أفريقيا بشكل أفضل.

كما يشتركان في القناعة بأن التحديات الكبرى المعاصرة — مثل التغير المناخي، وحماية المحيطات، وتحقيق التنمية المستدامة — لا يمكن مواجهتها دون عمل جماعي. وبالنسبة لموريتانيا، وهي بلد ساحلي وصحراوي وساحلي أطلسي في آن واحد، ومعرّض لآثار التغير المناخي ومتمسك بسيادته، فإن هذا التقارب مع باريس ليس مجرد فكرة نظرية، بل يعزز قدرتها على إيصال صوت مسموع على الساحة الدولية.

لكن، إلى جانب هذه التقاربات، فإن التعاون الفرنسي يُحدث آثارًا إيجابية واضحة على تنمية موريتانيا.
على الصعيد الأمني، وفي بيئة إقليمية غير مستقرة، أثبتت باريس أنها شريك موثوق، يراعي مصالح موريتانيا ويحترم خياراتها.

وقد شهدت منطقة الساحل في السنوات الأخيرة تصاعدًا خطيرًا في التهديد الإرهابي كاد يطيح بدول بأكملها، وما يزال يؤثر على حياة الدول والشعوب.

وقد تمكنت موريتانيا من مواجهة هذا الخطر وإجهاض الطموحات المتطرفة في مهدها. وتُعترف هذه الخصوصية الموريتانية في منطقة الساحل حتى في الأوساط الدفاعية الفرنسية، حيث أشاد الملحق العسكري الفرنسي في نواكشوط، السيد شارل ميشيل، بـ«انتصار في الكثبان» لوصف قدرة البلاد على احتواء التهديد الإرهابي بشكل دائم.

وهذه العبارة تلخص واقعًا كثيرًا ما يُذكر في المنطقة: فقد نجحت موريتانيا في بناء استجابة أمنية أكثر تماسكًا واستدامة مقارنة بالعديد من جيرانها.

كما أن محطة بريست خلال هذه الزيارة تجسد هذا البعد الاستراتيجي، ففي وقت أصبحت فيه السلامة البحرية عنصرًا أساسيًا لحماية السواحل والموارد والطرق التجارية، فإن التقارب بين البحريتين الفرنسية والموريتانية يلبي حاجة حقيقية للأمن الوطني.

على الصعيد الاقتصادي، تتحدث الأرقام بوضوح: يتمثل الحضور الفرنسي في موريتانيا في نحو 40 شركة، وحوالي 2000 وظيفة مباشرة، ومئات الشباب الذين تلقوا تكوينًا، وأكثر من 340 مليون يورو من المبادلات التجارية. و

الأهم أن هذا الحضور يطال قطاعات حيوية لمستقبل البلاد، مثل البنية التحتية، والتنمية الحضرية، والزراعة، والصحة، والتحول الطاقوي. ومن المنتظر أن تسفر زيارة الدولة عن عقود جديدة ومنتدى أعمال يجمع رجال الأعمال الموريتانيين والمستثمرين الفرنسيين، بهدف إنشاء جسور بشرية واقتصادية تدعم نمو المستقبل.

ومن أبرز ملامح هذه العلاقة استمراريتها عبر الزمن. ففي حين خفّض عدد من الشركاء التاريخيين حضورهم أو أغلقوا وكالات التعاون، اختارت فرنسا تعزيز التزامها. ففي غضون عامين، تضاعف حجم المشاريع التي تقودها الوكالة الفرنسية للتنمية والخزينة ووزارة الخارجية الفرنسية ليصل إلى نحو 500 مليون يورو.

وهذه الزيادة ليست نظرية، بل تُترجم إلى مشاريع ملموسة تؤثر في الحياة اليومية للموريتانيين.
ومن بين هذه المشاريع: خط كهرباء عالي الجهد بين نواكشوط ومدينة النعمة، وهو مشروع أساسي لتنمية المجال الترابي؛ دعم تزويد العاصمة بالمياه بشكل مستدام مع مضاعفة القدرة المتوقعة؛ برامج زراعية تغطي آلاف الهكتارات في جنوب البلاد لتعزيز السيادة الغذائية؛ المساهمة في برنامج المئة سد؛ بناء 13 إعدادية؛ وإنشاء مركز جديد لنقل الدم من شأنه مضاعفة قدرات جمع الدم في موريتانيا.

ويُضاف إلى ذلك مشاريع عديدة في ولاية الحوض الشرقي لدعم استقبال اللاجئين ومساندة المجتمعات المضيفة والسلطات المحلية.

وهكذا تساهم فرنسا بشكل ملموس في جهود التنمية الكبيرة التي تبذلها موريتانيا منذ سنوات.
على الصعيد الثقافي، تتقاسم موريتانيا مع فرنسا إرثًا مشتركًا هو لغة موليير.

فموريتانيا، رغم أن لغتها الرسمية هي العربية، حافظت دائمًا ولا تزال تستخدم اللغة الفرنسية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي اللغة الثانية في التعليم وتُستعمل على نطاق واسع في الحياة اليومية. كما تسعى إلى لعب دور فاعل داخل المنظمة الدولية للفرنكوفونية.

وتزداد أهمية هذه العلاقة في ظل إطلاق الرئيس الغزواني مبادرة كبرى في تاريخ موريتانيا: «المدرسة للجميع» أو «المدرسة الجمهورية»، التي تهدف إلى إنشاء نظام تعليمي موحد، حديث ومستدام، يجمع كل أطفال موريتانيا، إضافة إلى بناء عدد من المدارس خلال سنوات قليلة يعادل ما بُني خلال 70 سنة من الاستقلال، مع إعطاء مكانة مهمة للغات الأجنبية، وخاصة الفرنسية.

كما تقوم العلاقة الفرنسية-الموريتانية أيضًا على ما لا يُقاس فقط بالعقود أو التمويلات، بل بالروابط الإنسانية. إذ يدرس نحو 1100 طالب موريتاني في فرنسا، ويعود الكثير منهم لاحقًا إلى بلادهم حاملين مهارات تساهم في تنميتها.

كما أن الروابط الثقافية حيوية، من خلال شخصيات معروفة ذات انتماء مزدوج مثل عمر سي وعثمان ديمبيلي، وكذلك فنانين موريتانيين مثل BRMX ونور منت سيميالي، الذين يساهمون في إشعاع الإبداع الموريتاني من المعهد الفرنسي في نواكشوط إلى المسارح الباريسية.

وتكمن قوة الشراكة الفرنسية-الموريتانية في قدرتها على الجمع بين الاستقرار السياسي، والتعاون الأمني، والاستثمارات المفيدة، والتضامن طويل الأمد، والقرب الإنساني.

وفي وقت تتشكل فيه التحالفات وتتفكك بسرعة، تقدم العلاقة بين فرنسا وموريتانيا نموذجًا لصداقة متينة، متجهة نحو المستقبل، ومفيدة للموريتانيين. وهذا ما تؤكده هذه الزيارة الرسمية بوضوح: فبين باريس ونواكشوط، الصداقة ليست مجرد كلمة عابرة، بل واقع  يُبنى ويتعزز يومًا بعد يوم.

امبارك ولد بيروك