
ففي هذا اليوم رحل، عن عمر ناهز 80 عامًا، رجل كرّس حياته للنضال ضد العبودية بجميع أشكالها، ومن أجل موريتانيا يسودها العدل والمساواة، حيث يتمتع كل مواطن بحريته وحقوقه المدنية، ويملك القدرة على تحمّل مسؤولياته بكرامة والمساهمة في بناء وطن ديمقراطي موحّد.
أتذكر ردّه على صحفي سنغالي كبير، الراحل بابكار توري من صحيفة «سود هيبدو»، حين طرح عليه سؤالًا حول اختياراته السياسية المتعلقة بالمكونات الموجودة في موريتانيا، فقال: «إن لون بشرتي ليس برنامجًا سياسيًا»، في إشارة منه إلى أن السياسة لا علاقة لها بالانتماء العرقي، بل ترتبط بالخيارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها.
وعلى الصعيد المهني، كان بوبكر مسعود مهندسًا معماريًا بارعًا. وقبل التحاقه بالوظيفة العمومية، أدار مع زوجته السابقة ماريا كريستينا مارتينولي مكتبًا هندسيًا تولّى تصميم إنجازين معماريين بارزين في تلك الفترة، هما مقر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والحي السكني الراقي التابع لشركة «سوكوجيم» في تفرغ زينة، على سبيل المثال لا الحصر.
وفي القطاع العام، تولّى بوبكر مسعود مناصب إدارية رفيعة، من بينها منصب المدير العام لشركة سوكوجيم، وكذلك منصب مدير البنى التحتية في وزارة التجهيز، ثم مستشارًا للوزير. وقد شهد جميع المتعاونين معه وكبار الأطر الذين عملوا إلى جانبه بنزاهته الأخلاقية والفكرية والمادية، إضافة إلى كفاءته التقنية والمهنية. وفي هذا الصدد، أذكر شهادة أحد كبار أطر سوكوجيم في ذلك الوقت، الراحل سيدامين ولد أحمد شلا، الذي حدثني عن التقدير والاحترام الكبيرين اللذين كان يكنّهما له، مشيدًا بنزاهته الأخلاقية والمادية وكذلك بصدقه السياسي.
كان أول لقاء لي مع بوبكر في يناير سنة 1979، خلال المؤتمر الأول لحركة «الحر» بعد تأسيسها في منزله عند الكيلومتر السابع (PK7). وقد تم اختيارنا نحن الاثنين، إلى جانب رفاق آخرين، ضمن قيادة الحركة، حيث عملنا دائمًا جنبًا إلى جنب، وعشنا معًا كل المحطات الصعبة، بما في ذلك الاعتقالات والسجن ومحاكمة روصو.
وبعد خروجنا من السجن، واصلنا العمل في شبه سرية، لأننا كنا معروفين لدى الجميع، وخاصة لدى الشرطة. ثم انضممنا إلى اللجنة الوطنية للتطوع وفروعها، لكننا لم نكن ضمن هياكل تثقيف الجماهير. وقد عملنا معًا، جنبًا إلى جنب، على تنسيق نشاطنا مع الحركات التي كانت تُعرف آنذاك بالتقدمية، في التحضير لمؤتمر اتحاد العمال الموريتانيين وكذلك مؤتمر الطلبة الموريتانيين.
ومع بزوغ فجر الديمقراطية، تفرقت طرقنا؛ فقد انضم هو إلى مجموعة التحقت بالجبهة الديمقراطية، بينما اخترت أنا مع مجموعة أخرى المشاركة في تأسيس الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي. ورغم اختلاف الرؤى، ظلّت الصداقة تجمعنا، وكنا نتبادل الزيارات في إطار من الاحترام واللياقة.
وهذه الصورة هي واحدة من آخر لقاءاتنا.
وفي هذه المناسبة الأليمة، أتقدم بأحرّ التعازي وأصدق المواساة إلى جميع الموريتانيين عمومًا، وإلى كل من ينشدون السلام والعدالة خصوصًا، وإلى أسرة الفقيد الكريمة.
أسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته
و انا لله وإنا إليه راجعون .
بيجل و لد هميد





.jpg)
(3)(1).jpg)
.png)
.png)
.png)
.png)
.png)