كيف يستخدم المحتالون الذكاء الاصطناعي لانتحال هويتك؟

ثلاثاء, 29/09/2026 - 15:40

لم يعد صوت الإنسان مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبح مع التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي جزءًا من البيانات التي يمكن استغلالها في عمليات انتحال الهوية والاحتيال الإلكتروني.

ففي الوقت الذي اعتاد فيه المستخدمون التعامل بحذر مع الرسائل المشبوهة والروابط المجهولة ومحاولات سرقة كلمات المرور، ظهرت أساليب جديدة تعتمد على تقنيات قادرة على محاكاة أصوات أشخاص حقيقيين بدرجة قد تجعل التمييز بين الصوت الأصلي والمقلد أكثر صعوبة.

وقد تبدأ عملية الاحتيال بمكالمة تبدو عادية في ظاهرها، تأتي من رقم غير محفوظ على الهاتف، لكن الصوت الموجود على الطرف الآخر قد يكون مألوفًا بصورة تدفع الضحية إلى الاطمئنان.

فقد يدعي المتصل أنه أحد أفراد الأسرة أو الأصدقاء، ثم يروي قصة طارئة عن حادث أو مشكلة مالية أو حاجة عاجلة إلى المساعدة، قبل أن يطلب تحويل أموال أو الحصول على بيانات شخصية أو مشاركة رمز تحقق وصل إلى الهاتف.

وتتيح تقنيات استنساخ الصوت إنتاج كلام جديد يحاكي صوت شخص حقيقي اعتمادًا على عينات صوتية متاحة، وهو ما يثير تساؤلات متزايدة حول حجم المعلومات الشخصية التي يشاركها المستخدمون على الإنترنت، وإمكانية توظيفها في عمليات احتيال أكثر تطورًا.

وفي ظل هذا التحول، لم يعد التعرف على صوت شخص مألوف دليلًا كافيًا وحده على هوية المتصل، خصوصًا عندما تقترن المكالمة بطلب مالي أو الحصول على معلومات حساسة.

ومن هنا تبرز أهمية التعامل مع المكالمات غير المعتادة بحذر، وعدم اتخاذ أي قرار تحت ضغط الخوف أو الاستعجال، والتحقق من هوية المتصل عبر وسيلة اتصال مستقلة قبل الاستجابة لأي طلب.

اللهجة والإقناع

أجرت جامعة أبيرتاي بحثا تناول نسخًا اصطناعية من الإنجليزية الاسكتلندية المعيارية، إلى جانب لهجة "دندي" المحلية المنتشرة في محيط المدينة، وخلص إلى أن المستمعين افترضوا في كثير من الحالات أن الأصوات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي تعود إلى أشخاص حقيقيين، فيما ارتفع هذا الانطباع عند استخدام اللهجات الإقليمية، لاعتقاد الناس أن الآلات أقل قدرة على محاكاتها بدقة.

وتكشف دراسة أخرى نشرت عام 2026 في Journal of Marketing Research جانبًا من خطورة هذه الظاهرة في الاحتيال، بعدما حلل الباحثون 7,002 حالة بين رواد أعمال ومستثمرين في برنامج "شارك تانك"، إلى جانب 2,091 حملة على منصة Kickstarter وعدد من التجارب المعملية.

وأظهرت النتائج أن التشابه في خصائص الأصوات بين المتحدثين والمستمعين ارتبط بمستويات أعلى من الثقة والقدرة على الإقناع، حتى في غياب عوامل أخرى تمنح المتحدث مصداقية إضافية.

كشفت رحاب الرحماوي، أستاذة الذكاء الاصطناعي في الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية في مصر، في تصريحات خاصة لـموقع "سكاي نيوز عربية"، إن تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي فرض نمطًا جديدًا من أساليب الاحتيال الإلكتروني، بعدما أصبح من الممكن استخدام تقنيات استنساخ الصوت في انتحال شخصيات حقيقية وإقناع الضحية بأن المتحدث أحد أفراد أسرته أو معارفه.

وأوضحت أن المحتال قد يعتمد على تسجيلات صوتية متاحة على منصات التواصل الاجتماعي أو مصادر أخرى للحصول على عينة صوتية، ثم توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج عبارات جديدة تبدو قريبة بدرجة كبيرة من صوت صاحبها، مشيرة إلى أن الخطر لا يرتبط بدقة تقليد الصوت فقط، وإنما بالسيناريو الذي يوضع فيه الضحية تحت ضغط نفسي يدفعه إلى اتخاذ قرار سريع.

وأضافت أن بعض المكالمات الاحتيالية قد تبدأ بادعاء تعرض أحد الأقارب لحادث أو وقوعه في مشكلة تتطلب تدخلًا ماليًا عاجلًا، بينما قد يتخذ الاحتيال شكلًا آخر عبر انتحال صفة موظف في بنك أو شركة أو جهة خدمية، ثم مطالبة الشخص ببيانات شخصية أو رموز تحقق تصل إلى هاتفه.

وأكدت الرحماوي أن التعامل مع الصوت باعتباره دليلا كافيًا على هوية المتصل لم يعد آمنًا، داعية إلى اعتماد وسيلة تحقق ثانية، خصوصًا عند وجود طلب مالي أو محاولة للحصول على معلومات حساسة.

ونصحت بإنهاء المكالمة وإعادة الاتصال بالشخص عبر رقم محفوظ مسبقًا، بدلًا من الاستمرار في الحديث مع المتصل المجهول.

وشددت على ضرورة عدم مشاركة كلمات المرور أو رموز التحقق، وعدم تنفيذ أي تحويلات مالية استجابة لطلب عاجل قبل التأكد من حقيقة الموقف، موضحة أن عنصر الاستعجال يمثل إحدى أهم الأدوات التي يستغلها المحتال لمنع الضحية من التفكير والمراجعة.

كما دعت إلى الانتباه إلى طبيعة المحتوى الصوتي المنشور عبر الإنترنت، وتقليل مشاركة التسجيلات والمعلومات الشخصية غير الضرورية، مؤكدة أن حماية المستخدم لم تعد تعتمد فقط على قوة كلمات المرور، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بمدى وعيه بإمكانية استغلال صوته ومعلوماته في عمليات انتحال متطورة.

واختتمت الرحماوي بالتأكيد على أن القاعدة الأهم في مواجهة هذا النوع من الاحتيال هي عدم اتخاذ أي قرار حساس اعتمادًا على الصوت وحده؛ فإذا تزامن الاتصال مع طلب مالي أو معلومات شخصية وضغط لاتخاذ قرار فوري، فإن أفضل استجابة هي إنهاء المكالمة والتحقق من هوية المتصل عبر قناة مستقلة قبل اتخاذ أي إجراء.